فصل: تفسير الآية رقم (120)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


تفسير الآيات رقم ‏[‏99- 101‏]‏

‏{‏كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا ‏(‏99‏)‏ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا ‏(‏100‏)‏ خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا ‏(‏101‏)‏‏}‏

جملة مستأنفة تذييلية أفادت التنويه بقصّة رسالة موسى وما عقبها من الأعمال التي جرت مع بني إسرائيل ابتداء من قوله ‏{‏وهل أتاك حديث موسى إذ رأى ناراً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 9، 10‏]‏، أي مثل هذا القصص نقصّ عليك من أنباء القرون الماضية‏.‏ والإشارة راجعة إلى القصة المذكورة‏.‏

والمراد بقوله ‏{‏نَقُصُّ‏}‏ قَصصنا، وإنما صيغ المضارع لاستحضار الحالة الحسنة في ذلك القصص‏.‏

والتشبيه راجع إلى تشبيهها بنفسها كناية عن كونها إذا أريد تشبيهها وتقريبها بما هو أعرف منها في بابها لم يجد مُريد ذلك طريقاً لنفسه في التشبيه إلا أن يشبهها بنفسها، لأنها لا يفوقها غيرها في بابها حتى تقرَّب به، على نحو ما تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك جعلناكم أمة وسطاً‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏143‏)‏، ونظائره كثيرة في القرآن‏.‏

و ‏(‏مِن‏)‏ في قوله مِنْ أنْبَاءِ ما قَدْ سَبَقَ‏}‏ تبعيضية، هي صفة لمحذوف تقديره‏:‏ قصصاً من أنباء ما قد سبق‏.‏ ولك أن تجعل ‏(‏من‏)‏ اسماً بمعنى بعض، فتكون مفعول ‏{‏نقصّ‏.‏

والأنباء‏:‏ الأخبار‏.‏ و‏(‏ما‏)‏ الموصولة ما صدقها الأزمان، لأنّ الأخبار تضاف إلى أزمانها، كقولهم‏:‏ أخبار أيام العرب، والقرون الوسطى‏.‏ وهي كلها من حقها في الموصولية أن تعرف ب ‏(‏ما‏)‏ الغالبة في غير العاقل‏.‏ ومعلوم أن المقصود ما فيها من أحوال الأمم، فلو عرفت ب ‏(‏مَن‏)‏ الغالبة في العقلاء لصح ذلك وكل ذلك واسع‏.‏

وقوله وقَدْ ءاتيناك مِن لَّدُنَّا ذِكْراً‏}‏ إيماء إلى أن ما يقص من أخبار الأمم ليس المقصود به قطْع حصة الزمان ولا إيناس السامعين بالحديث إنما المقصود منه العبرة والتذكرة وإيقاظ لبصائر المشركين من العرب إلى موضع الاعتبار من هذه القصة، وهو إعراض الأمة عن هدي رسولها وانصياعها إلى تضليل المضللين من بينها‏.‏ فللإيماء إلى هذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏وقد آتيناك من لدنّا ذكراً من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وِزراً خالدين فيه‏.‏

وتنكير ذِكراً‏}‏ للتعظيم، أي آتيناك كتاباً عظيماً‏.‏ وقوله ‏{‏مِن لَّدُنَّا‏}‏ توكيد لمعنى ‏{‏ءاتيناك‏}‏ وتنويه بشأن القرآن بأنه عطية كانت مخزونة عند الله فخص بها خير عباده‏.‏

والوِزر‏:‏ الإثم‏.‏ وجعل محمولاً تمثيل لملاقاة المشقة من جراء الإثم، أي من العقاب عنه‏.‏ فهنا مضاف مُقدر وقرينته الحال في قوله ‏{‏خالدين فِيهَا‏}‏، وهو حال من اسم الموصول أو الضمير المنصوب بحرف التوكيد، وما صدقهما، متّحد وإنما اختلف بالإفراد والجمع رعياً لِلَفظ ‏(‏مَن‏)‏ مرةً ولمدلولها مرة‏.‏ وهو الجمع المعرضون‏.‏ فقال ‏{‏من أعرَض ثم قال خَالدين‏.‏

وجملة وسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ القيامة حِمْلاً‏}‏ حال ثانية، أي ومسوئين به‏.‏ و‏(‏سَاء‏)‏ هنا هو أحد أفعال الذم مثل ‏(‏بئس‏)‏‏.‏ وفاعل ‏{‏ساء ضمير مستتر مُبهم يفسره التمييز الذي بعده وهو حِملاً‏.‏ والحِمل بكسر الحاء اسم بمعنى المَحمول كالذِّبح بمعنى المذبوح‏.‏ والمخصوص بالذم محذوف لدلالة لفظ وِزراً عليه‏.‏ والتقدير‏:‏ وساء لهم حملاً وِزرهم، وحذف المخصوص في أفعال المدح والذم شائع كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه أواب‏}‏ ‏[‏ص‏:‏ 30‏]‏ أي سليمان هو الأواب‏.‏

واللاّم في قوله ‏{‏وسَآءَ لَهُمْ‏}‏ لام التبيين‏.‏ وهي مبيّنة للمفعول في المعنى، لأن أصل الكلام‏:‏ ساءهم الحِمل، فجيء باللام لزيادة تبيين تعلق الذم بحمله، فاللاّم لبيان الذين تعلّق بهم سوء الحِمل‏.‏

والحِمل بكسر الحاء المحمول مثل الذبح‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏102- 104‏]‏

‏{‏يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ‏(‏102‏)‏ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ‏(‏103‏)‏ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ‏(‏104‏)‏‏}‏

‏{‏يَوْمَ يُنفَخُ في الصُّورِ‏}‏ بدل من ‏{‏يومَ القيامة‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 101‏]‏ في قوله ‏{‏وسَاءَ لهم يوم القيامة حملاً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 101‏]‏، وهو اعتراض بين جملة ‏{‏وقد ءَاتيناك من لدُنَّا ذِكراً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 99‏]‏ وما تبعها وبين جملة ‏{‏وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 113‏]‏، تخلّص لذكر البعث والتذكير به والنذارةِ بما يحصل للمجرمين يومئذ‏.‏

والصُور‏:‏ قَرن عظيم يُجعل في داخله سِداد لبعض فضائه فإذا نفخ فيه النافخ بقوة خرج منه صوت قوي، وقد اتخذ للإعلام بالاجتماع للحرب‏.‏ وتقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏73‏)‏‏.‏

وقرأ الجمهور يُنفخ بياء الغيبة مبنياً للمجهول، أي ينفخ نافخ، وهو الملك الموكل بذلك‏.‏ وقرأه أبو عمرو وحده ننفخ بنون العظمة وضم الفاء وإسناد النفخ إلى الله مجاز عقلي باعتبار أنّه الآمر به، مثل‏:‏ بنى الأمير القلعة‏.‏

والمجرمون‏:‏ المشركون والكفرة‏.‏

والزرق‏:‏ جمع أزرق، وهو الذي لونه الزُّرقة‏.‏ والزرقة‏:‏ لون كلون السماء إثر الغروب، وهو في جلد الإنسان قبيح المنظر لأنه يشبه لون ما أصابه حرقُ نارٍ‏.‏ وظاهر الكلام أن الزرقة لون أجسادهم فيكون بمنزلة قوله يوم ‏{‏تبيض وجود وتسود وجوه‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 106‏]‏، وقيل‏:‏ المراد لون عيونهم، فقيل‏:‏ لأنّ زرقة العين مكروهة عند العرب‏.‏ والأظهر على هذا المعنى أن يراد شدّة زرقة العين لأنّه لون غير معتاد، فيكون كقول بشّار‏:‏

وللبخيل على أمواله عِلل *** زُرْق العُيون عليها أوْجه سُودُ

وقيل‏:‏ المراد بالزُّرق العُمْي، لأن العمى يلوّن العين بزرقة‏.‏ وهو محتمل في بيت بشّار أيضاً‏.‏

والتخافت‏:‏ الكلام الخفي من خوف ونحوه‏.‏ وتخافتهم لأجل ما يملأ صدورهم من هول ذلك اليوم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 108‏]‏‏.‏

وجملة ‏{‏إن لَّبِثْتُم إلاَّ عَشْراً‏}‏ مبيّنة لجملة ‏{‏يتخافتون‏}‏، وهم قد علموا أنهم كانوا أمواتاً ورفاتاً فأحياهم الله فاستيقنوا ضلالهم إذ كانوا ينكرون الحشر‏.‏

ولعلهم أرادوا الاعتذار لخطئهم في إنكار الإحياء بعد انقراض أجزاء البدن مبالغة في المكابرة، فزعموا أنهم ما لبثوا في القبور إلاّ عشرَ ليال فلم يصيروا رفاتاً، وذلك لما بقي في نفوسهم من استحالة الإحياء بعد تفرق الأوصال، فزعموا أن إحياءهم ما كان إلا بردّ الأرواح إلى الأجساد‏.‏ فالمراد باللبث‏:‏ المكث في القبور، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم‏}‏ في سورة المؤمنين ‏(‏112، 113‏)‏، وقوله ‏{‏ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون‏}‏ في سورة الروم ‏(‏55‏)‏‏.‏

و ‏(‏إذ‏)‏ ظرف، أي يتخافتون في وقت يقول فيه أمثلهم طريقةً‏.‏ والأمثل‏:‏ الأرجح الأفضل‏.‏ والمَثالة‏:‏ الفضل، أي صاحب الطريقة المثلى لأن النسبة في الحقيقة للتمييز‏.‏

والطريقة‏:‏ الحالة والسنّة والرأي، والمراد هنا الرأي، وتقدم في قوله ‏{‏ويذهبا بطريقتكم المثلى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 63‏]‏ في هذه السورة، ولم يأت المفسرون في معنى وصف القائل ‏{‏إن لبثتم إلا يوماً‏}‏ بأنه أمثل طريقة بوجه تطمئن له النفس‏.‏

والذي أراه‏:‏ أنه يحتمل الحقيقة والمجاز؛ فإن سلكنا به مسلك الحمل على الحقيقة كان المعنى أنه أقربهم إلى اختلاق الاعتذار عن خطئهم في إنكارهم البعث بأنهم ظنوا البعث واقعاً بعد طول المكث في الأرض طولاً تتلاشى فيه أجزاء الأجسام، فلما وجدوا أجسادهم كاملة مثل ما كانوا في الدنيا قال بعضهم ‏{‏إن لبثتم إلا عشراً‏}‏، فكان ذلك القول عذراً لأن عشر الليالي تتغيّر في مثلها الأجسام‏.‏ فكان الذي قال ‏{‏إن لبثتم إلا يوماً‏}‏ أقرب إلى رواج الاعتذار‏.‏ فالمراد‏:‏ أنه الأمثل من بينهم في المعاذير، وليس المراد أنه مصيب‏.‏

وإن سلكنا به مسلك المجاز فهو تهكم بالقائل في سوء تقديره من لبثهم في القبور، فلما كان كلا التقديرين متوغّلاً في الغلظ مؤذناً بجهل المقدّرين واستِبهام الأمر عليهم دالاً على الجهل بعظيم قدرة الله تعالى الذي قَضّى الأزمانَ الطويلة والأممَ العظيمة وأعادهم بعد القرون الغابرة، فكان الذي قدر زمن المكث في القبور بأقلِّ قَدْر أوغل في الغلط فعُبر عنه ب ‏{‏أمْثَلُهُم طَرِيقَةً‏}‏ تهكماً به وبهم معاً إذ استوى الجميع في الخطأ‏.‏

وجملة ‏{‏نحنُ أعلَمُ بما يَقُولُونَ‏}‏ معترضة بين فعل ‏{‏يتخافتون وظرفِية إذْ يَقُولُ أمْثَلُهُم‏}‏، أي إنهم يقولون ذلك سراً ونحن أعلم به وإننا نخبر عن قولهم يومئذ خبر العليم الصادق‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏105- 107‏]‏

‏{‏وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ‏(‏105‏)‏ فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ‏(‏106‏)‏ لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا ‏(‏107‏)‏‏}‏

لما جرى ذكر البعث ووصف ما سينكشف للذين أنكروه من خطئهم في شبهتهم بتعذر إعادة الأجسام بعد تفرق أجزائها ذكرت أيضاً شبهة من شبهاتهم كانوا يسألون بها النبي صلى الله عليه وسلم سؤال تعنت لا سؤال استهداء، فكانوا يحيلون انقضاء هذا العالم ويقولون‏:‏ فأيْن تكون هذه الجبال التي نراها‏.‏ وروي أنّ رجلاً من ثقيف سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وهم أهل جبال لأن موطنهم الطائف وفيه جبل كَرَى‏.‏ وسواء كان سؤالهم استهزاء أم استرشاداً، فقد أنبأهم الله بمصير الجبال إبطالاً لشبهتهم وتعليماً للمؤمنين‏.‏ قال القرطبي‏:‏ «جاء هنا ‏(‏أي قوله ‏{‏فَقُلْ يَنسِفُهَا‏}‏‏)‏ بفاء وكل سؤال في القرآن «قل» ‏(‏أي كل جواب في لفظ منه مادة سؤال‏)‏ بغير فاء إلا هذا، لأن المعنى إن سألوك عن الجبال فقل، فتضمن الكلام معنى الشرط، وقد علم أنّهم يسألونه عنها فأجابهم قبل السؤال‏.‏ وتلك أسئلة تقدمت سألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم فجاء الجواب عقب السؤال ا‏.‏ ه»‏.‏

وأكد ‏{‏ينسفها نسفاً‏}‏ لإثبات أنه حقيقة لا استعارة‏.‏ فتقدير الكلام‏:‏ ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً‏.‏‏.‏‏.‏ إلى آخره، وننسف الجبال نسفاً، فقل ذلك للذين يسألونك عن الجبال‏.‏

والنسف‏:‏ تفريق وإذراء، وتقدم آنفاً‏.‏

والقاع‏:‏ الأرض السهلة‏.‏

والصفصف‏:‏ الأرض المستوية التي لا نتوء فيها‏.‏

ومعنى ‏{‏يذرها قاعاً صفصفاً‏}‏ أنها تندك في مواضعها وتسوى مع الأرض حتى تصير في مستوى أرضها، وذلك يحصل بزلزال أو نحوه، قال تعالى‏:‏ ‏{‏إذا رُجّت الأرض رجّاً وبُسّت الجبال بسّاً فكانت هباء منبثّاً‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 4 6‏]‏‏.‏

وجملة ‏{‏لا ترى فيها عِوَجاً ولا أمْتاً‏}‏ حال مؤكدة لمعنى ‏{‏قَاعاً صَفصفاً‏}‏ لزيادة تصوير حالة فيزيد تهويلها‏.‏ والخطاب في ‏{‏لا ترى فيها عوجاً‏}‏ لغير معين يخاطب به الرسول صلى الله عليه وسلم سائليه‏.‏

والعوج بكسر العين وفتح الواو‏:‏ ضد الاستقامة، ويقال‏:‏ بفتح العين والواو كذلك فهما مترادفان على الصحيح من أقوال أيمة اللّغة‏.‏ وهو ما جزم به عمرو واختاره المرزوقي في «شرح الفصيح»‏.‏ وقال جماعة‏:‏ مكسورُ العين يجري على الأجسام غير المنتصبة كالأرض وعلى الأشياء المعنوية كالدين‏.‏ ومفتوحُ العين يوصف به الأشياء المنتصبة كالحائط والعصا، وهو ظاهر ما في «لسان العرب» عن الأزهري‏.‏ وقال فريق‏:‏ مكسور العين توصف به المعاني، ومفتوح العين توصف به الأعيان‏.‏ وهذا أضعف الأقوال‏.‏ وهو منقول عن ابن دريد في «الجمهرة» وتبعه في «الكشاف» هنا، وكأنه مال إلى ما فيه من التفرقة في الاستعمال، وذلك من الدقائق التي يميل إليها المحققون‏.‏ ولم يعرج عليه صاحب «القاموس»، وتعسف صاحب «الكشاف» تأويل الآية على اعتباره خلافاً لظاهرها‏.‏ وهو يقتضي عدم صحة إطلاقه في كل موضع‏.‏ وتقدم هذا اللّفظ في أول سورة الكهف فانظره‏.‏

والأمْت‏:‏ النتوء اليسير، أي لا ترى فيها وهدة ولا نتوءاً ما‏.‏

والمعنى‏:‏ لا ترى في مكان فسْقها عوجاً ولا أمتاً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏108- 112‏]‏

‏{‏يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ‏(‏108‏)‏ يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ‏(‏109‏)‏ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ‏(‏110‏)‏ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ‏(‏111‏)‏ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ‏(‏112‏)‏‏}‏

جملة ‏{‏يتبعون الدّاعي‏}‏ في معنى المفرعة على جملة ‏{‏يَنسِفُهَا‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 105‏]‏‏.‏ و‏{‏يَوْمَئِذٍ‏}‏ ظرف متعلق ب ‏{‏يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ‏}‏‏.‏ وقدم الظرف على عامله للاهتمام بذلك اليوم، وليكون تقديمه قائماً مقام العَطف في الوصل، أي يتبعون الداعي يوم ينسف ربّك الجبال، أي إذا نسفت الجبال نودوا للحشر فحضروا يتبعون الداعي لذلك‏.‏

والداعي، قيل‏:‏ هو المَلك إسرافيل عليه السلام يدعو بنداء التسخير والتكوين، فتعود الأجساد والأرواح فيها وتهطع إلى المكان المدعوّ إليه‏.‏ وقيل‏:‏ الداعي الرسول، أي يتبع كلّ قوم رسولهم‏.‏

و ‏{‏عِوَجَ لَهُ‏}‏ حال من ‏{‏الدَّاعِيَ‏}‏‏.‏ واللام على كلا القولين في المراد من الداعي للأجْل، أي لا عوج لأجل الداعي، أي لا يروغ المدعوون في سيرهم لأجل الداعي بل يقصدون متجهين إلى صَوبه‏.‏ ويجيء على قول من جعل المراد بالداعي الرسول أن يرَاد بالعوج الباطل تعريضاً بالمشركين الذين نسبوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم العِوج كقولهم ‏{‏إن تتبعون إلاّ رجلاً مسحوراً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 8‏]‏، ونحو ذلك من أكاذيبهم، كما عُرض بهم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 1‏]‏‏.‏

فالمصدر المنفي أريد منه نفي جنس العوج في اتباع الداعي، بحيث لا يسلكون غير الطريق القويم، أو لا يسلك بهم غير الطريق القويم، أو بحيث يعلمون براءة رسولهم من العِوج‏.‏

وبيْن قوله ‏{‏لا ترى فيها عوجاً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 107‏]‏ وقوله ‏{‏لا عِوَج له‏}‏ مراعاة النظير، فكما جعل الله الأرض يومئذ غير معوجة ولا ناتئة كما قال ‏{‏فإذا هم بالساهرة‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 14‏]‏ كذلك جعل سير النّاس عليها لا عوج فيه ولا مراوغة‏.‏

والخشوع‏:‏ الخضوع، وفي كلّ شيء من الإنسان مظهر من الخشوع؛ فمظهر الخشوع في الصوت‏:‏ الإسرار به، فلذلك فرع عليه قوله ‏{‏فلا تسمع إلاّ همساً‏}‏‏.‏

والهمس‏:‏ الصوت الخفيّ‏.‏

والخطاب بقوله ‏{‏لا ترى فيها عوجاً وقوله فلا تسمع إلا همساً خطاب لغير معين، أي لا يرى الرائي ولا يسمع السامع‏.‏

وجملة وخَشَعَتتِ الأصوَاتُ‏}‏ في موضع الحال من ضمير ‏{‏يتّبعون وإسناد الخشوع إلى الأصوات مجاز عقلي، فإن الخشوع لأصحاب الأصوات؛ أو استعير الخشوع لانخفاض الصوت وإسراره، وهذا الخشوع من هول المقام‏.‏

وجملة يومئذ لا تنفع الشفاعة‏}‏ كجملة ‏{‏يومئذ يتبعون الداعي‏}‏ في معنى التفريع على ‏{‏وخشعت الأصوات للرحمن‏}‏، أي لا يتكلّم الناس بينهم إلاّ همساً ولا يجرؤون على الشفاعة لمن يهمهم نفعه‏.‏ والمقصود من هذا أن جلال الله والخشية منه يصدان عن التوسط عنده لنفع أحد إلاّ بإذنه، وفيه تأييس للمشركين من أن يجدوا شفعاء لهم عند الله‏.‏

واستثناء ‏{‏مَن أذِنَ لهُ الرحمن‏}‏ من عموم الشفاعة باعتبار أنّ الشفاعة تقتضي شافعاً، لأن المصدر فيه معنى الفعل فيقتضي فاعلاً، أي إلا أن يشفع من أذن له الرحمان في أن يشفع، فهو استثناء تام وليس بمفرغ‏.‏

واللاّم في ‏{‏أذِنَ لهُ‏}‏ لام تعدية فِعل ‏{‏أَذِنَ‏}‏، مثل قوله ‏{‏قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 123‏]‏‏.‏ وتفسير هذا ما ورد في حديث الشفاعة من قول النبي صلى الله عليه وسلم «فيقال لي‏:‏ سلْ تُعْطَه واشفَعْ تُشفّع»

وقوله ‏{‏ورضِيَ له قولاً‏}‏ عائد إلى ‏{‏مَن أذن له الرّحمان وهو الشافع‏.‏ واللاّم الداخلة على ذلك الضمير لام التّعليل، أي رضي الرحمانُ قولَ الشّافع لأجل الشافع، أي إكراماً له كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألم نشرح لك صدرك‏}‏ ‏[‏الشرح‏:‏ 1‏]‏ فإن الله ما أذن للشافع بأن يشفع إلا وقد أراد قبول شفاعته، فصار الإذن بالشّفاعة وقبولُها عنواناً على كرامة الشافع عند الله تعالى‏.‏

والمجرور متعلق بفعل ‏{‏رضي‏}‏‏.‏ وانتصب ‏{‏قولاً على المفعولية لفعل رضي لأن رضي هذا يتعدى إلى الشيء المرضي به بنفسه وبالباء‏.‏

وجملة يعلَمُ ما بينَ أيديهِم وما خلفهم‏}‏ مستأنفة بيانية لجواب سؤال من قد يسأل بيان ما يوجب رضى الله عن العبد الذي يأذن بالشفاعة فيه‏.‏ فبُيّن بياناً إجمالياً بأن الإذن بذلك يجري على ما يقتضيه عِلم الله بسائر العبيد وبأعمالهم الظاهرة، فعبر عن الأعمال الظاهرة بما بَيْن أيديهم لأنّ شأن ما بين الأيدي أن يكون واضحاً، وعبر عن السرائر بما خلفهم لأنّ شأن ما يجعل خلف المرء أن يكون محجوباً‏.‏ وقد تقدم ذلك في آية الكرسي، فهو كناية عن الظاهرات والخفيات، أي فيأذن لمن أراد تشريفه من عباده المقربين بأن يشفع في طوائف مثل ما ورد في الحديث «يخرج من النّار من كان في قلبه مثقال حبّة من إيمان»، أو بأن يشفع في حالة خاصة مثل ما ورد في حديث الشفاعة العظمى في الموقف لجميع الناس بتعجيل حسابهم‏.‏

وجملة ‏{‏ولاَ يُحِيطُونَ بهِ عِلْماً‏}‏ تذييل للتعليم بعظمة علم الله تعالى وضآلة علم البشر، نظير ما وقع في آية الكرسي‏.‏

وجملة ‏{‏وعَنَتتِ الوجوهُ للِحَيّ القيُّوم‏}‏ معطوفة على جملة ‏{‏وخَشَعَتتِ الأصواتُ للراحمان‏}‏، أي ظهر الخضوع في الأصوات والعناء في الوجوه‏.‏

والعناء‏:‏ الذلة، وأصله الأسر، والعاني‏:‏ الأسير‏.‏ ولما كان الأسير ترهقه ذلة في وجهه أسند العناء إلى الوجوه على سبيل المجاز العقلي، والجملة كلها تمثيل لحال المجرمين الذين الكلام عليهم من قوله ‏{‏ونحشر المجرمين يومئذ رزْقاً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 102‏]‏، فاللاّم في ‏{‏الوجوه عوض عن المضاف إليه، أي وجوههم، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن الجحيم هي المأوى‏}‏ ‏[‏النازعات‏:‏ 39‏]‏ أي لهم‏.‏ وأما وجوه أهل الطاعات فهي وجوه يومئذ ضاحكة مستبشرة‏.‏

ويجوز أن يجعل التعريف في ‏{‏الوجوه على العموم، ويراد بعنت خضعت، أي خضع جميع الناس إجلالاً لله تعالى‏.‏

والحيُّ‏:‏ الذي ثبت له وصف الحياة، وهي كيفية حاصلة لأرقَى الموجودات، وهي قوّة للموجود بها بقاء ذاته وحصول إدراكه أبداً أوْ إلى أمد مّا‏.‏ والحياة الحقيقية هي حياة الله تعالى لأنّها ذاتية غير مسبوقة بضدها ولا منتهية‏.‏

والقيوم‏:‏ القائم بتدبير النّاس، مبالغة في القَيّم، أي الذي لا يفوته تدْبير شيء من الأمور‏.‏

وتقدم ‏{‏الحي القيوم‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏255‏)‏‏.‏

وجملة وقد خَابَ من حَمَلَ ظُلْماً‏}‏؛ إما معترضة في آخر الكلام تفيد التعليل إن جُعل التعريف في ‏{‏الوجوه عوضاً عن المضاف إليه، أي وجوه المجرمين‏.‏ والمعنى‏:‏ إذ قد خاب كلّ من حمل ظلماً؛ وإما احتراس لبيان اختلاف عاقبة عناء الوجوه، فمن حمل ظلماً فقد خاب يومئذ واستمر عناؤه، ومن عمل صالحاً عاد عليه ذلك الخوف بالأمن والفرح‏.‏ والظلم‏:‏ ظلم النفس‏.‏

وجملة ومَن يعمل من الصالحاتت وهو مؤمنٌ‏}‏ الخ‏:‏ شرطية مفيدة قسيم مضمون جملة ‏{‏وقَدْ خَابَ من حَمَل ظُلماً‏}‏‏.‏ وصيغ هذا القسيم في صيغة الشرط تحقيقاً للوعد، و‏{‏فلا يخاف جواب الشرط، واقترانه بالفاء علامة على أن الجملة غير صالحة لموالاة أداة الشرط، فتعين؛ إما أن تكون ‏(‏لا‏)‏ التي فيها ناهية، وإما أن يكون الكلام على نيّة الاستئناف‏.‏ والتقدير‏:‏ فهو لا يخاف‏.‏

وقرأ الجمهور فلا يخاف بصيغة المرفوع بإثبات ألف بعد الخاء، على أن الجملة استئناف غير مقصود بها الجزاء، كأن انتفاء خوفه أمر مقرر لأنه مؤمن ويعمل الصالحات‏.‏ وقرأه ابن كثير بصيغة الجزم بحذف الألف بعد الخاء، على أن الكلام نهي مستعمل في الانتفاء‏.‏ وكتبت في المصحف بدون ألف فاحتملت القراءتين‏.‏ وأشار الطيبي إلى أن الجمهور توافق قوله تعالى‏:‏ وقد خاب من حمل ظلماً في أن كلتا الجملتين خبرية‏.‏ وقراءة ابن كثير تفيد عدم التردد في حصول أمنه من الظلم والهضم، أي في قراءة الجمهور خصوصية لفظية وفي قراءة ابن كثير خصوصية معنوية‏.‏

ومعنى لا يخاف ظلماً‏}‏ لا يخاف جزاء الظالمين لأنّه آمن منه بإيمانه وعمله الصالحات‏.‏

والهضم‏:‏ النقص، أي لا ينقصون من جزائهم الذي وُعدوا به شيئاً كقوله ‏{‏وإنّا لموفُّوهم نصيبهم غير منقوص‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 109‏]‏‏.‏

ويجوز أن يكون الظلم بمعنى النقص الشديد كما في قوله ‏{‏ولم تَظْلم منه شيئاً‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 33‏]‏، أي لا يخاف إحباط عمله، وعليه يكون الهضم بمعنى النقص الخفيف، وعطفه على الظلم على هذا التفسير احتراس‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏113- 114‏]‏

‏{‏وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ‏(‏113‏)‏ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ‏(‏114‏)‏‏}‏

عطف على جملة ‏{‏كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 99‏]‏، والغرض واحد، وهو التنويه بالقرآن‏.‏ فابتدئ بالتنويه به جزئياً بالتنويه بقصصه، ثمّ عطف عليه التنويه به كليّاً على طريقة تشبه التذييل لما في قوله ‏{‏أنزلناه قرآناً عربياً‏}‏ من معنى عموم ما فيه‏.‏

والإشارة ب ‏{‏كذلك‏}‏ نحوُ الإشارة في قوله ‏{‏كذلك نقص عليك‏}‏، أي كما سمعته لا يُبين بأوضح من ذلك‏.‏

و ‏{‏قرآناً‏}‏ حال من الضمير المنصوب في ‏{‏أنزلناه‏}‏‏.‏ وقرآن تسمية بالمصدر‏.‏ والمراد المقروء، أي المتلو، وصار القرآن علماً بالغلبة على الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بألفاظ معينة متعبّداً بتلاوتها يعجز الإتيان بمثل سورة منها‏.‏ وسمي قرآناً لأنه نظم على أسلوب تسهل تلاوته‏.‏ ولوحظ هنا المعنى الاشتقاقي قبل الغلبة وهو ما تفيده مادة قرأ من يسر تلاوته؛ وما ذلك إلاّ لفصاحة تأليفه وتناسب حروفه‏.‏ والتنكير يفيد الكمال، أي أكمل ما يقرأ‏.‏

و ‏{‏عربياً‏}‏ صفة ‏{‏قرآناً‏}‏‏.‏ وهذا وصف يفيد المدح، لأنّ اللغة العربية أبلغ اللّغات وأحسنها فصاحة وانسجاماً‏.‏ وفيه تعريض بالامتنان على العرب، وتحميق للمشركين منهم حيث أعرضوا عنه وكذبوا به، قال تعالى‏:‏ ‏{‏لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 10‏]‏‏.‏

والتصريف‏:‏ التنويع والتفنين‏.‏ وقد تقدّم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏46‏)‏، وقوله ‏{‏ولقد صرفنا‏}‏ في هذا القرآن ليذكروا في سورة الإسراء ‏(‏41‏)‏‏.‏

وذكر الوعيد هنا للتهديد، ولمناسبة قوله قبله ‏{‏وقد خاب من حمل ظلماً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 111‏]‏‏.‏

والتقوى‏:‏ الخوف‏.‏ وهي تستعمل كناية عن الطاعة لله، أي فَعلْنا ذلك رجاء أن يؤمنوا ويطيعوا‏.‏ والذكر هنا بمعنى التذكر، أي يُحدث لهم القرآن تذكراً ونظراً فيما يحق عليهم أن يختاروه لأنفسهم‏.‏

وعبر ب ‏{‏يحدث‏}‏ إيماء إلى أن الذكر ليس من شأنهم قبل نزول القرآن، فالقرآن أوجد فيهم ذكراً لم يكن من قبل، قال ذو الرمة‏:‏

ولما جرت في الجزل جرياً كأنه *** سنا الفجر أحدثنا لخالقها شُكراً

و ‏(‏لعل‏)‏ للرجاء، أي إن حال القرآن أن يقرّب الناس من التقوى والتذكر، بحيث يمثَّل شأن من أنزله وأمر بما فيه بحال من يرجو فيلفظ بالحرف الموضوع لإنشاء الرجاء‏.‏ فحرف ‏(‏لعل‏)‏ استعارة تبعية تنبئ عن تمثيلية مكنية، وقد مضى معنى ‏(‏لعل‏)‏ في القرآن عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏21‏)‏‏.‏

وجملة فتعالى الله الملك الحق‏}‏ معترضة بين جملة ‏{‏وكذلك أنزلناه‏}‏ وبين جملة ‏{‏ولا تعجل بالقرآن‏}‏‏.‏ وهذا إنشاء ثناء على الله منزل القرآن وعلى منة هذا القرآن، وتلقين لشكره على ما بيّن لعباده من وسائل الإصلاح وحملهم عليه بالترغيب والترهيب وتوجيهه إليهم بأبلغ كلام وأحسن أسلوب فهو مفرع على ما تقدم من قوله ‏{‏وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً‏}‏ إلى آخرها‏.‏‏.‏‏.‏

والتفريع مؤذن بأن ذلك الإنزال والتصريف ووسائل الإصلاح كلّ ذلك ناشئ عن جميل آثار يشعر جميعها بعلوه وعظمته وأنه الملك الحق المدبر لأمور مملوكاته على أتم وجوه الكمال وأنفذ طرق السياسة‏.‏

وفي وصفه بالحق إيماء إلى أن مُلك غيره من المتَسَميّن بالملوك لا يخلو من نقص كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏الملك يومئذ الحق للرحمان‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 26‏]‏‏.‏ وفي الحديث‏:‏ ‏"‏ فيقول الله أنا الملِكُ أيْنَ ملوك الأرض ‏"‏، أي أحضروهم هل تجدون منهم من ينازع في ذلك، كقول الخليفة معاوية حين خطب في المدينة «يا أهل المدينة أين علماؤكم»‏.‏

والجمع بين اسم الجلالة واسمه ‏(‏المَلِك‏)‏ إشارة إلى أن إعظامه وإجلاله مستحَقّان لذاته بالاسم الجامع لصفات الكمال، وهو الدال على انحصار الإلهيّة وكمالها‏.‏

ثمّ أتبع ب ‏(‏الحق‏)‏ للإشارة إلى أن تصرفاته واضحة الدلالة على أن ملكه ملك حق لا تصرف فيه إلاّ بما هو مقتضَى الحكمة‏.‏

والحق‏:‏ الذي ليس في ملكه شائبة عجز ولا خضوع لغيره، وفيه تعريض بأن ملك غيره زائف‏.‏

وفي تفريع ذلك على إنزال القرآن إشارة أيضاً إلى أن القرآن قانون ذلك الملك، وأن ما جاء به هو السياسة الكاملة الضامنة صلاح أحوال متبعيه في الدنيا والآخرة‏.‏

وجملة ‏{‏ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه‏}‏ ناشئة على ما تقدم من التنويه بالقرآن وما اشتمل عليه من تصاريف إصلاح الناس‏.‏ فلمّا كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على صلاح الأمّة شديد الاهتمام بنجاتهم لا جرم خطرت بقلبه الشريف عَقِب سماع تلك الآيات رغبةٌ أو طِلْبة في الإكثار من نزول القرآن وفي التعجيل به إسراعاً بعِظة الناس وصلاحهم، فعلمه الله أن يكِل الأمر إليه فإنه أعلم بحيث يناسب حال الأمة العامَّ‏.‏

ومعنى ‏{‏من قبل أن يقضى إليك وحيه‏}‏ أي من قبل أن يتم وحي ما قضي وحيه إليك، أي ما نُفذ إنزاله فإنه هو المناسب‏.‏ فالمنهي عنه هو سؤال التعجيل أو الرغبة الشديدة في النفس التي تشبه الاستبطاء لا مطلق مودة الازدياد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن قصة موسى مع الخضر عليهما السلام ‏"‏ ودَدنا أن موسى صبَر حتى يقص الله علينا من أمرهما أو من خبرهما ‏"‏

ويجوز أن يكون معنى العجلة بالقرآن العجلة بقراءته حال إلقاء جبريل آياته‏.‏ فعن ابن عبّاس‏:‏ كان النبي يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل حرصاً على الحفظ وخشية من النسيان فأنزل الله ‏{‏ولا تعجل بالقرآن الآية‏.‏ وهذا كما قال ابن عبّاس في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تُحرّكْ به لسانك لتعجلَ به‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 16‏]‏ كما في «صحيح البخاري»‏.‏ وعلى هذين التأويلين يكون المراد بقضاء وحيه إتمامه وانتهاؤه، أي انتهاء المقدار الذي هو بصدد النزول‏.‏

وعن مجاهد وقتادة أن معناه‏:‏ لا تعجل بقراءة ما أُنزل إليك لأصحابك ولا تُمْلِه عليهم حتى تتبين لك معانيه‏.‏

وعلى هذا التأويل يكون قضاء الوحي تمام معانيه‏.‏ وعلى كلا التفسيرين يجري اعتبار موقع قوله ‏{‏وقل رب زدني علماً‏.‏

وقرأ الجمهور يُقضى بتحتية في أوله مبنياً للنائب، ورفع وحيُه على أنه نائب الفاعل‏.‏ وقرأه يعقوب بنون العظمة وكسر الضاد وبفتحة على آخر نقضي وبنصب وحيَه‏.‏

وعطف جملة وقل رب زدني علماً‏}‏ يشير إلى أن المنهي عنه استعجال مخصوص وأن الباعث على الاستعجال محمود‏.‏ وفيه تلطف مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ أتبع نهيه عن التعجل الذي يرغبه بالإذن له بسؤال الزيادة من العلم، فإن ذلك مجمع كل زيادة سواء كانت بإنزال القرآن أم بغيره من الوحي والإلهام إلى الاجتهاد تشريعاً وفهماً، إيماء إلى أن رغبته في التعجل رغبة صالحة كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بَكر حين دخل المسجد فوجد النبي راكعاً فلم يلبث أن يصل إلى الصف بل ركع ودَبّ إلى الصف راكعاً فقال له‏:‏ «زادك الله حرصاً ولا تَعُدْ»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏115‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ‏(‏115‏)‏‏}‏

لما كانت قصة موسى عليه السلام مع فرعون ومع قومه ذات عبرة للمكذبين والمعاندين الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وعاندوه، وذلك المقصود من قَصَصها كما أشرنا إليه آنفاً عند قوله ‏{‏كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكراً من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزراً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 99، 100‏]‏ فكأن النبي صلى الله عليه وسلم استحب الزيادة من هذه القِصص ذات العبرة رجاء أن قومه يفيقون من ضلالتهم كما أشرنا إليه قريباً عند قوله ‏{‏ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 114‏]‏؛ أعقبت تلك القصة بقصة آدم عليه السلام وما عرّض له به الشيطان، تحقيقاً لفائدة قوله ‏{‏وقل رب زدني علماً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 114‏]‏‏.‏ فالجملة عطف قصة على قصة والمناسبة ما سمعتَ‏.‏

والكلام معطوف على جملة ‏{‏كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق‏}‏‏.‏ وافتتاح الجملة بحرف التحقيق ولام القسم لمجرد الاهتمام بالقصة تنبيهاً على قصد التنظير بين القصتين في التفريط في العهد، لأن في القصة الأولى تفريط بني إسرائيل في عهد الله، كما قال فيها ‏{‏ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً أفطال عليكم العهد‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 86‏]‏، وفي قصة آدم تفريطاً في العهد أيضاً‏.‏ وفي كون ذلك من عمل الشيطان كما قال في القصة الأولى ‏{‏وكذلك سولت لي نفسي‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 96‏]‏ وقال في هذه ‏{‏فوسوس إليه الشيطان‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 120‏]‏‏.‏ وفي أن في القصتين نسياناً لما يجب الحفاظ عليه وتذكره فقال في القصة الأولى ‏{‏فَنَسِيَ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 16‏]‏ وقال في هذه القصة ‏{‏فنسي ولم نجد له عزماً‏}‏‏.‏

وعليه فقوله ‏{‏من قبلُ‏}‏ حُذف ما أضيف إليه ‏(‏قبلُ‏)‏‏.‏ وتقديره‏:‏ من قبل إرسال موسى أو من قبل ما ذكر، فإن بناء ‏(‏قبلُ‏)‏ على الضم علامة حذف المضاف إليه ونيّة معناه‏.‏ والذي ذكر‏:‏ إما عهد موسى الذي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 13‏]‏ وقوله ‏{‏فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 16‏]‏؛ وإما عهد الله لبني إسرائيل الذي ذكّرهم به موسى عليه السلام لما رجع إليهم غضبان أسفاً، وهو ما في قوله ‏{‏أفطال عليكم العهد‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 86‏]‏ الآية‏.‏

والمراد بالعهد إلى آدم‏:‏ العهد إليه في الجنّة التي أنسي فيها‏.‏

والنسيان‏:‏ أطلق هنا على إهمال العمل بالعهد عمداً، كقوله في قصة السامري ‏{‏فَنَسي‏}‏، فيكون عصياناً، وهو الذي يقتضيه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين‏}‏ الآية، وقد مضت في سورة الأعراف ‏(‏20، 21‏)‏‏.‏ وهذا العهد هو المُبيّن في الآية بقوله ‏{‏فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 117‏]‏ الآية‏.‏

والعزم‏:‏ الجزم بالفعل وعدم التردد فيه، وهو مغالبة ما يدعو إليه الخاطر من الانكفاف عنه لعسر عمله أو إيثار ضده عليه‏.‏ وتقدم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن عزموا الطلاق‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏227‏)‏‏.‏ والمراد هنا‏:‏ العزم على امتثال الأمر وإلغاءُ ما يحسِّن إليه عدمَ الامتثال، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا عزمت فتوكل على الله‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 159‏]‏، وقال ‏{‏فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 35‏]‏، وهم نوح، وإبراهيم، وإسماعيل، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وموسى، وداوود، وعيسى عليهم السلام‏.‏

واستعمل نفي وجدان العزم عند آدم في معنى عدم وجود العزم من صفته فيما عهد إليه تمثيلاً لحال طلب حصوله عنده بحال الباحث على عزمه فلم يجده عنده بعد البحث‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏116‏]‏

‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى ‏(‏116‏)‏‏}‏

هذا بيان لجملة ‏{‏ولقد عهدنا إلى آدم من قبل‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 115‏]‏ إلى آخرها، فكان مقتضى الظاهر أن لا يكون معطوفاً بالواو بل أن يكون مفصولاً، فوقوع هذه الجملة معطوفة اهتمام بها لتكون قصة مستقلة فتلفت إليها أذهان السامعين‏.‏ فتكون الواو عاطفة قصة آدم على قصة موسى عطفاً على قوله ‏{‏وهل أتاك حديث موسى إذ رأى ناراً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 10‏]‏، ويكون التقدير‏:‏ واذكر إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم، وتكون جملة ‏{‏ولقد عهدنا إلى آدم من قبل‏}‏ تذييلاً لقصة هارون مع السامريّ وقوله ‏{‏من قبل‏}‏ أي من قبل هارون‏.‏ والمعنى‏:‏ أنّ هارون لم يكن له عزم في الحفاظ على ما عهد إليه موسى‏.‏ وانتهت القصة بذلك التذييل، ثمّ عطف على قصة موسى قصة آدم تبعاً لقوله ‏{‏كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 99‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏117- 119‏]‏

‏{‏فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ‏(‏117‏)‏ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ‏(‏118‏)‏ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ‏(‏119‏)‏‏}‏

فَقُلْنَا ياھادم إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى * إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تضحى‏}‏

قصة خلق آدم وسجود الملائكة له وإباء الشيطان من السجود تقدمت في سورة البقرة وسورة الأعراف، فلنقتصر على بيان ما اختصت به هاته السورة من الأفانين والتراكيب‏.‏

فقوله ‏{‏إن هذا‏}‏ إشارة إلى الشيطان إشارةً مراداً منها التحقير، كما حكى الله في سورة الأنبياء ‏(‏36‏)‏ من قول المشركين ‏{‏أهذا الذي يذكر آلهتكم‏}‏، وفي سورة الأعراف ‏(‏22‏)‏ إن الشيطان لكما عدو عبر عنه باسمه‏.‏

وقوله عدوٌّ لكَ ولِزَوجِكَ‏}‏ هو كقوله في الأعراف ‏(‏22‏)‏‏:‏ ‏{‏وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين‏}‏ فذكرت عداوته لهما جملة هنالك وذكرت تفصيلاً هنا، فابتدئ في ذكر متعلّق عداوته بآدم لأنّ آدم هو منشأ عداوة الشيطان لحسده، ثم أتّبع بذكر زوجه لأنّ عداوته إياها تبع لعداوته آدم زوجها، وكانت عداوته متعلّقة بكليهما لاتحاد علّة العداوة، وهي حسده إياهما على ما وهبهما الله من علم الأسماء الذي هو عنوان الفكر الموصل إلى الهدى وعنوان التعبير عن الضمير الموصل للإرشاد، وكل ذلك مما يبطل عمل الشيطان ويشق عليه في استهوائهما واستهواء ذريتهما، ولأنّ الشيطان رأى نفسه أجدر بالتفضيل على آدم فحنق لما أمر بالسجود لآدم‏.‏

قوله فَلا يُخرجَنَّكُما من الجنَّةِفَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى * إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تضحى‏}‏ تفريع على الإخبار بعداوة إبليس له ولزوجه‏:‏ بأن نُهيا نهي تحذير عن أن يتسبب إبليس في خروجهما من الجنة، لأنّ العدوّ لا يروقه صلاح حال عدوه‏.‏ ووقع النهي في صورة نهي عن عمل هو من أعمال الشيطان لا مِنْ أعمال آدم كناية عن نهي آدم عن التأثر بوسائل إخراجهما من الجنّة، كما يقال‏:‏ لا أعرفنّك تفعل كذا، كناية عن‏:‏ لا تفعل، أي لا تفعل كذا حتى أعرفه منك، وليس المراد النهي عن أن يبلغ إلى المتكلّم خبر فعل المخاطب‏.‏

وأسند ترتب الشقاء إلى آدم خاصة دون زوجه إيجازاً، لأنّ في شقاء أحد الزوجين شقاء الآخر لتلازمهما في الكون مع الإيماء إلى أنّ شقاء الذكر أصل شقاء المرأة، مع ما في ذلك من رعاية الفاصلة‏.‏

وجملة ‏{‏إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى‏}‏ تعليل للشقاء المترتب على الخروج من الجنّة المنهي عنه، لأنه لما كان ممتعاً في الجنة برفاهية العيش من مأكل وملبس ومشرب واعتدال جوّ مناسب للمزاج كان الخروج منها مقتضياً فقدان ذلك‏.‏

و ‏{‏تضحى‏}‏ مضارع ضَحِيَ‏:‏ كرضي، إذا أصابه حر الشمس في وقت الضحى، ومصدره الضحو، وحر الشمس في ذلك الوقت هو مبدأ شدته، والمعنى‏:‏ لا يصيبك ما ينافر مزاجك، فالاقتصار على انتفاء الضحو هنا اكتفاء، أي ولا تصردَ، وآدم لم يعرف الجوع والعَرى والظمأ والضحْو بالوجدان، وإنما عرفها بحقائقها ضِمن تعليمه الأسماء كلّها كما تقدّم في سورة البقرة‏.‏

وجُمع له في هذا الخبر أصولُ كفاف الإنسان في معيشته إيماء إلى أن الاستكفاء منها سيكون غاية سعي الإنسان في حياته المستقبلة، لأن الأحوال التي تصاحب التكوين تكون إشعاراً بخصائص المكوّن في مقوماته، كما ورد في حديث الإسراء من توفيق النبي صلى الله عليه وسلم لاختيار اللبن على الخَمر فقيل له‏:‏ لو اخترت الخمر لغَوَتْ أمّتك‏.‏

وقد قُرن بين انتفاء الجوع واللباس في قوله ‏{‏ألا تجوع فيها ولا تعرى، وقرن بين انتفاء الظمأ وألم الجسم في قوله لا تظمأ فيها ولا تضحى‏}‏ لمناسبة بين الجوع والعَرى، في أن الجوع خلوّ باطن الجسم عما يقيه تألمه وذلك هو الطعام، وأن العري خلوّ ظاهر الجسم عما يقيه تألمه وهو لفح الحر وقرص البرد؛ ولمناسبة بين الظمأ وبين حرارة الشمس في أن الأول ألم حرارة الباطن والثاني ألم حرارة الظاهر‏.‏ فهذا اقتضى عدم اقتران ذكر الظمأ والجوع، وعدم اقتران ذكر العري بألم الحر وإن كان مقتضى الظاهر جمع النظيرين في كليهما، إذ جَمْعُ النظائر من أساليب البديع في نظم الكلام بحسب الظاهر لولا أن عرض هنا ما أوجب تفريق النظائر‏.‏

ومن هذا القبيل في تفريق النظائر قصة أدبيّة طريفة جرت بين سيف الدولة وبين أبي الطيّب المتنبي ذكرها المعري في «معجز أحمد» شرحه على «ديوان أبي الطيّب» إجمالاً، وبسطها الواحدي في «شرحه على الديوان»‏.‏ وهي‏:‏ أن أبا الطيّب لما أنشد سيف الدولة قصيدته التي طالعها‏:‏

على قَدر أهل العزم تأتي العزائم *** قال في أثنائها يصف موقعة بين سيف الدولة والروممِ في ثغر الحَدَث‏:‏

وقفتَ ما في الموت شك لواقف *** كأنك في جفن الردَى وهو نائم

تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمةً *** ووجهك وضّاح وثَغرك باسم

فاستعادها سيف الدولة منه بعد ذلك فلما أنشده هذين البيتين، قال له سيف الدولة‏:‏ إن صدريْ البيتين لا يلائماننِ عجُزَيْهما وكان ينبغي أن تقول‏:‏

وقفت وما في الموت شك لواقف *** ووجهُك وضّاح وثغرك باسم

تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة *** كأنك في جفن الردى وهو نائم

وأنت في هذا مثل امرئ القيس في قوله‏:‏

كأني لم أركب جواداً للذة *** ولم أتبَطَّنْ كاعباً ذاتَ خَلْخال

ولم أسْبَأ الزقّ الرويَّ ولم أقل *** لخيليَ كُرّي كَرّة بعد إجفال

ووجه الكلام على ما قال العلماء بالشعر أن يكون عجز البيت الأول للثّاني وعجز البيت الثاني للأول ليستقيم الكلام فيكون ركوب الخيل مع الأمر للخيل بالكر، ويكون سِباء الخمر للذة مع تبطن الكاعب‏.‏ فقال أبو الطيّب‏:‏ أدام الله عزّ الأمير، إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا أعلمُ منه بالشعر فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولانا يعرف أن الثوب لا يعرفه البزاز معرفةَ الحائك لأن البزاز لا يعرف إلاّ جملته والحائك يعرف جملته وتفصيله لأنه أخرجه من الغزليّة إلى الثوبية‏.‏

وإنما قرن امرؤ القيس لذّة النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة في شراء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء‏.‏ وأنا لما ذكرت الموت أتبعتُه بذكر الردى لتجانسه ولما كان وجه المهزوم لا يخلو أن يكون عبوساً وعينه من أن تكون باكية قلت‏:‏

ووجهك وضّاح وثغرك باسم *** لأجمع بين الأضداد في المعنى‏.‏

ومعنى هذا أن امرؤ القيس خالف مقتضى الظاهر في جمع شيئين مشتهري المناسبة فجمع شيئين متناسبين مناسبة دقيقة، وأن أبا الطيّب خالف مقتضى الظاهر من جمع النظيرين ففرقهما لسلوك طريقة أبدع، وهي طريقة الطباق بالتضاد وهو أعرق في صناعة البديع‏.‏

وجعلت المنة على آدم بهذه النعم مسوقة في سياق انتفاء أضدادها ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة تحذيراً منها لكي يتحامى من يسعى إلى إرزائه منها‏.‏

وقرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم ‏{‏وإنك لا تظمأ‏}‏ بكسر همزة ‏(‏إنّ‏)‏ عطفاً للجملة على الجملة‏.‏ وقرأ الباقون ‏{‏وأنك بفتح الهمزة عطفاً على ألاّ تجوع عطف المفرد على المفرد، أي إن لك نفي الجوع والعري ونفي الظّمأ والضَحْو‏.‏

وقد حصل تأكيد الجميع على القراءتين ب ‏(‏إن‏)‏ وبأختها، وبين الأسلوبين تفنّن‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏120‏]‏

‏{‏فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ‏(‏120‏)‏‏}‏

قوله ‏{‏فوسوس إليه الشيطان‏}‏ تقدم مثله في الأعراف‏.‏ والفاء لتعقيب مضمون جملتها على مضمون التي قبلها، وهو تعقيب نسبي بما يناسب مدّة تقلب في خلالها بخيرات الجنة حتى حسده الشيطان واشتد حسده‏.‏

وتعدية فعل ‏(‏وسوس‏)‏ هنا بحرف ‏(‏إلى‏)‏ وباللام في سورة الأعراف ‏(‏20‏)‏ ‏{‏فوسوس لهما الشيطان‏}‏ باعتبار كيفية تعليق المجرور بذلك الفعل في قصد المتكلّم، فإنه فعل قاصر لا غنى له عن التعدية بالحرف، فتعديته بحرف ‏(‏إلى‏)‏ هنا باعتبار انتهاء الوسوسة إلى آدم وبلوغها إياه، وتعديته باللاّم في الأعراف باعتبار أن الوسوسة كانت لأجلهما‏.‏

وجملة ‏{‏قَالَ يَا آدَمِ‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 117‏]‏ بيان لجملة ‏{‏فوسوس لهما الشيطان‏}‏‏.‏ وهذه الآية مثال للجملة المبيّنة لغيرها في علم المعاني‏.‏

وهذا القول خاطر ألقاه الشيطان في نفس آدم بطريق الوسوسة وهي الكلام الخفي؛ إما بألفاظ نطق بها الشيطان سراً لآدم لئلا يطّلع عليه الملائكة فيحذروا آدم من كيد الشيطان، فيكونُ إطلاق القول عليه حقيقة؛ وإما بمجرد توجه أراده الشيطان كما يوسوس للناس في الدنيا، فيكون إطلاق القول عليه مجازاً باعتبار المشابهة‏.‏

و ‏{‏هَلْ أدُلُّكَ‏}‏ استفهام مستعمل في العَرض، وهو أنسب المعاني المجازية للاستفهام لقربه من حقيقته‏.‏

والافتتاح بالنداء ليتوجه إليه‏.‏

والشجرة هي التي نهاه الله عن الأكل منها دون جميع شجر الجنّة، ولم يُذكر النهي عنها هنا وذكر في قصة سورة البقرة‏.‏ وهذا العرض متقدم على الإغراء بالأكل منها المحكي في قوله تعالى في سورة الأعراف ‏(‏20‏)‏ ‏{‏قال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين‏}‏، ولم يدله الشيطان على شجرة الخلد بل كذبه ودله على شجرة أخرى بآية أن آدم لم يخلّد، فحصل لآدم توهم أنه إذا أكل من الشجرة التي دله عليها الشيطان أن يخلد في الحياة‏.‏

والدلالة‏:‏ الإرشاد إلى شيء مطلوب غير ظاهر لطالبه، والدلالة على الشجرة لقصد الأكل من ثمرتها‏.‏

وسماها هنا شجرة الخلد‏}‏ بالإجمال للتشويق إلى تعيينها حتى يُقبِل عليها، ثم عيّنها له عقب ذلك بما أنبأ به قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأكلا منها‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 121‏]‏‏.‏

وقد أفصح هذا عن استقرار محبّة الحياة في جبلة البشر‏.‏

والمُلك‏:‏ التحرر من حكم الغير، وهو يوهم آدم أنه يصير هو المالك للجنة المتصرّف فيها غير مأمور لآمر‏.‏

واستعمل البِلى مجازاً في الانتهاء، لأنّ الثوب إذا بلي فقد انتهى لبسه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏121- 122‏]‏

‏{‏فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ‏(‏121‏)‏ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ‏(‏122‏)‏‏}‏

تفريع على ما قبله وثمّ جملة محذوفة دل عليها العرض، أي فعمل آدم بوسوسة الشيطان فأكل من الشجرة وأكلت حواء معه‏.‏

واقتصار الشيطان على التسويل لآدم وهو يريد أن يأكل آدم وحواء، لعلمه بأن اقتداء المرأة بزوجها مركوز في الجبلة‏.‏ وتقدم معنى ‏{‏فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة‏}‏ في سورة الأعراف ‏(‏22‏)‏‏.‏

وقوله وعصى آدم ربه‏}‏ عطف على ‏{‏فأكلا منها‏}‏، أي أكلا معاً، وتعمد آدم مخالفة نهي الله تعالى إياه عن الأكل من تلك الشجرة‏.‏ وإثبات العصيان لآدم دون زوجه يدل على أن آدم كان قدوة لزوجه فلما أكل من الشجرة تبعته زوجه، وفي هذا المعنى قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 6‏]‏‏.‏

والغواية‏:‏ ضدّ الرشد، فهي عمل فاسد أو اعتقاد باطل، وإثبات العصيان لآدم دليل على أنه لم يكن يومئذ نبيئاً، ولأنّه كان في عالم غير عالم التكليف وكانت الغواية كذلك، فالعصيان والغواية يومئذ‏:‏ الخروج عن الامتثال في التربية كعصيان بعض العائلة أمرَ كبيرها، وإنما كان شنيعاً لأنّه عصيان أمر الله‏.‏ ‏!‏

وليس في هذه الآية مستند لتجويز المعصية على الأنبياء ولا لِمنعها، لأنّ ذلك العالَم لم يكن عالَم تكليف‏.‏

وجملة ‏{‏ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى‏}‏ معترضة بين جملة ‏{‏وعصى آدم‏}‏ وجملة ‏{‏قال اهبطا منها جميعاً‏}‏، لأن الاجتباء والتوبة عليه كانا بعد أن عوقب آدم وزوجه بالخروج من الجنة كما في سورة البقرة، وهو المناسب لترتب الإخراج من الجنة على المعصية دون أن يترتب على التوبة‏.‏

وفائدة هذا الاعتراض التعجيل ببيان مآل آدم إلى صلاح‏.‏

والاجتباء‏:‏ الاصطفاء‏.‏ وتقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم‏}‏ في الأنعام ‏(‏87‏)‏، وقوله ‏{‏اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم‏}‏ في النحل ‏(‏121‏)‏‏.‏

والهداية‏:‏ الإرشاد إلى النفع‏.‏ والمراد بها إذا ذكرت مع الاجتباء في القرآن النبوءة كما في هذه الآيات الثلاث‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏123- 127‏]‏

‏{‏قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ‏(‏123‏)‏ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ‏(‏124‏)‏ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ‏(‏125‏)‏ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ‏(‏126‏)‏ وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ‏(‏127‏)‏‏}‏

‏{‏

استئناف بياني، لأنّ الإخبار عن آدم بالعصيان والغواية يثير في نفس السامع سؤالاً عن جزاء ذلك‏.‏ وضمير قالقَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ‏}‏ عائد إلى ‏{‏ربه‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 121‏]‏ من قوله ‏{‏وعصى آدم ربه‏}‏ والخطاب لآدم وإبليس‏.‏

والأمر في ‏{‏اهبطا‏}‏ أمر تكوين، لأنهما عاجزان عن الهبوط إلى الأرض إلاّ بتكوين من الله إذ كان قرارهما في عالم الجنة بتكوينه تعالى‏.‏

و ‏{‏جميعاً‏}‏ يظهر أنه اسم لمعنى كل أفرادِ ما يوصف بجميع، وكأنه اسم مفرد يدل على التعدد مثل‏:‏ فريق، ولذلك يستوي فيه المذكر وغيره والواحد وغيره، قال تعالى‏:‏ ‏{‏فكيدوني جميعاً‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 55‏]‏ ونصبه على الحال، وهو هنا حال من ضمير ‏{‏اهبطا‏.‏

وجملة بعضكم لبعض عدوٌّ‏}‏ حال ثانية من ضمير ‏{‏اهْبِطَا‏}‏‏.‏ فالمأمور بالهبوط من الجنة آدم وإبليس وأما حواء فتبع لزوجها‏.‏

والخطاب في قوله ‏{‏بَعْضُكُم‏}‏ خطاب لآدم وإبليس‏.‏ وخوطبا بضمير الجمع لأنه أريد عداوة نسليهما، فإنهما أصلان لنوعين نوع الإنسان ونوع الشيطان‏.‏

‏{‏

تفريع جملة فإمَّا يأتينَّكم مني هُدىً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ اتبع هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى * قَالَ رَبِّ لِمَ حشرتنى أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كذلك أَتَتْكَ آياتنا فَنَسِيتَهَا وكذلك اليوم تنسى * وكذلك نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بھايات رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الاخرة أَشَدُّ وأبقى‏}‏ على الأمر بالهبوط من الجنة إلى الدنيا إنباءٌ بأنهم يستقبلون في هذه الدنيا سيرة غير التي كانوا عليها في الجنة لأنّهم أُودِعوا في عالَم خليط خيره بشرّه، وحقائقه بأوهامه، بعد أن كانوا في عالم الحقائق المحضة والخير الخالص، وفي هذا إنباء بطور طرأ على أصل الإنسان في جبلته كان مُعَدّاً له من أصل تركيبه‏.‏

والخطاب في قوله ‏{‏يَأتِيَنَّكُم‏}‏ لآدم باعتبار أنه أصل لنوع الإنسان إشعاراً له بأنه سيكون منه جماعة، ولا يشمل هذا الخطاب إبليس لأنه مفطور على الشر والضلال إذ قد أنبأه الله بذلك عند إبايته السجود لآدم، فلا يكلفه الله باتباع الهدى، لأن طلب الاهتداء ممن أعلمه الله بأنه لا يزال في ضلال يعد عبثاً ينزه عنه فعل الحكيم تعالى‏.‏ وليس هذا مثلَ أمر أبي جهل وأضرابه بالإسلام إذ أمثال أبي جهل لا يوقَن بأنهم لا يؤمنون، ولم يرد في السنّة أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الشيطان للإسلام ولا دعا الشياطين، وأما الحديث الذي رواه الدارَقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «ما منكم من أحد إلا وقد وُكل به قرينه من الجنّ، قالوا‏:‏ وإياك يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ وإياي ولكن الله أعانني فأسْلَمَ» فلا يقتضي أنه دعاه للإسلام ولكن الله ألهم قرينه إلى أن يأمره بالخير، والمراد بالقرين‏:‏ شيطان قرين، والمراد بالهدى‏:‏ الإرشاد إلى الخير‏.‏

وفي هذه الآية وصاية الله آدم وذريته باتباع رسل الله والوحي الإلهي، وبذلك يعلم أن طلب الهدى مركوز في الجبلة البشريّة حتى قال كثير من علماء الإسلام‏:‏ إن معرفة الإله الواحد كائنة في العقول أو شائعة في الأجيال والعصور‏.‏ وإنه لذلك لم يُعذر أهل الشرك في مُدد الفِتر التي لم تجئ فيها رسل للأمم‏.‏ وهذه مسألة عظيمة وقد استوعبها علماء الكلام، وحررناها في «رسالة النسب النبوي»‏.‏

وقد تقدم تفسير نظير الجملتين الأوليْن في سورة البقرة‏.‏

وأما قوله ‏{‏فلا يضل‏}‏ فمعناه‏:‏ أنه إذا اتبع الهُدى الوارد من الله على لسان رسله سَلِم من أن يعتريه شيء من ضلال، وهذا مأخوذ من دلالة الفِعل في حيّز النفي على العموم كعموم النكرة في سياق النفي، أي فلا يعتريه ضلال في الدنيا، بخلاف من اتبع ما فيه هدى وارد من غير الله فإنه وإن استفاد هدى في بعض الأحوال لا يسلم من الوقوع في الضلال في أحْوال أخرى‏.‏ وهذا حال متبعي الشرائع غير الإلهية وهي الشرائع الوضعية فإن واضعيها وإن أفرغوا جهودهم في تطلب الحق لا يسلمون من الوقوع في ضلالات بسبب غَفلات، أو تعارض أدلة، أو انفعال بعادات مستقرة، أو مصانعة لرؤساء أو أمم رأوا أن من المصلحة طلبَ مرضاتهم‏.‏ وهذا سقراط وهو سيّد حكماء اليونان قد كان يتذرع لإلقاء الأمر بالمعروف في أثينا بأن يفرغه في قوالب حكايات على ألسنة الحيوان، ولم يسلم من الخنوع لمصانعة اللفيف فإنه مع كونه لا يرى تأليه آلهتهم لم يسلم من أن يأمر قبل موته بقربان ديك لعطارد ربّ الحكمة‏.‏ وحالهم بخلاف حال الرسل الذين يتلقون الوحي من علاّم الغيوب الذي لا يضل ولا ينسى، وأيدهم الله، وعصمهم من مصانعة أهل الأهواء، وكوّنهم تكويناً خاصاً مناسباً لما سبق في علمه من مراده منهم، وثبت قلوبهم على تحمل اللأواء، ولا يخافون في الله لومة لائم‏.‏ وإن الذي ينظر في القوانين الوضعية نظرة حكيم يجدها مشتملة على مراعاة أوهام وعادات‏.‏

والشقاء المنفي في قوله ‏{‏ولا يشقى هو شقاء الآخرة لأنه إذا سلم من الضلال في الدنيا سلم من الشقاء في الآخرة‏.‏

ويدل لهذا مقابلة ضده في قوله ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى‏}‏، إذ رتب على الإعراض عن هدي الله اختلال حَاله في الدنيا والآخرة، فالمعيشة مراد بها مدة المعيشة، أي مدّة الحياة‏.‏

والضنك‏:‏ مصدر ضَنُك، من باب كَرُم ضناكة وضنكاً، ولكونه مصدراً لم يتغيّر لفظه باختلاف موصوفه، فوصف به هنا ‏{‏معيشة وهي مؤنث‏.‏ والضنك‏:‏ الضيق، يقال‏:‏ مكان ضنك، أي ضيق‏.‏ ويستعمل مجازاً في عسر الأمور في الحياة، قال عنترة‏:‏

إن يلحقوا أكرُر وإن يستلحموا *** أشدد وإن نَزلوا بضَنْك أنْزِلِ

أي بمنزل ضنك، أي فيه عسر على نازله‏.‏ وهو هنا بمعنى عسر الحال من اضطراب البال وتبلبله‏.‏ والمعنى‏:‏ أن مجامع همه ومطامح نظره تكون إلى التحيل في إيجاد الأسباب والوسائل لمطالبه، فهو متهالك على الازدياد خائف على الانتقاص غير ملتفت إلى الكمالات ولا مأنوس بما يسعى إليه من الفضائل، يجعله الله في تلك الحالة وهو لا يشعر، وبعضهم يبدو للناس في حالة حسنة ورفاهية عيش ولكن نفسَه غير مطمئنة‏.‏

وجعل الله عقابه يوم الحشر أن يكون أعمى تمثيلاً لحالته الحسية يومئذ بحالته المعنوية في الدنيا، وهي حالة عدم النظر في وسائل الهدى والنجاة‏.‏ وذلك العمى عنوان على غضب الله عليه وإقصائه عن رحمته، فأعمى الأول مجاز وأعمى الثاني حقيقة‏.‏

وجملة قال رب لم حشرتني أعمى‏}‏ مستأنفة استئنافاً ابتدائياً‏.‏

وجملة ‏{‏قال كذلك أتتك‏}‏ الخ واقعة في طريق المحاورة فلذلك فصلت ولم تعطف‏.‏

وفي هذه الآية دليل على أنّ الله أبلغ الإنسان من يوم نشأته التحذير من الضلال والشرك، فكان ذلك مستقراً في الفطرة حتى قال كثير من علماء الإسلام‏:‏ بأن الإشراك بالله من الأمم التي يكون في الفتر بين الشرائع مستحق صاحبه العقاب، وقال جماعة من أهل السنّة والمعتزلة قاطبة‏:‏ إنّ معرفة الله واجبة بالعقل، ولا شك أنّ المقصود من ذكرها في القرآن تنبيه المخاطبين بالقرآن إلى الحذر من الإعراض عن ذكر الله، وإنذار لهم بعاقبة مثل حالهم‏.‏

والإشارة في ‏{‏كذلك أتتك آياتنا‏}‏ راجعة إلى العمى المضمن في قوله ‏{‏لم حشرتني أعمى‏}‏، أي مثل ذلك الحال التي تساءلت عن سببها كنت نسيت آياتنا حين أتتك، وكنت تُعرض عن النظر في الآيات حين تُدعى إليه فكذلك الحال كان عقابك عليه جزاءً وفاقاً‏.‏

وقد ظهر من نظم الآية أن فيها ثلاثة احتباكات، وأن تقدير الأول‏:‏ ونحشره يوم القيامة أعمى ونَنْساه، أي نُقصيه من رحمتنا‏.‏ وتقدير الثاني والثالث‏:‏ قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وعميتَ عنها فكذلك اليوم تنسى وتُحْشَر أعمى‏.‏

والنسيان في الموضعين مستعمل كناية أو استعارة في الحرمان من حظوظ الرحمة‏.‏

وجملة ‏{‏وكذلك نجزي من أسرف‏}‏ الخ تذييل، يجوز أن تكون من حكاية ما يخاطب الله به من يحشر يوم القيامة أعمى قصد منها التوبيخ له والتنكيل، فالواوُ عاطفةٌ الجملةَ على التي قبلها‏.‏ ويجوز أن تكون تذييلاً للقصّة وليست من الخطاب المخاطب به من يحشر يوم القيامة أعمى قصد منها موعظة السامعين ليحذروا من أن يصيروا إلى مثل ذلك المصير‏.‏ فالواو اعتراضية لأن التذييل اعتراض في آخر الكلام، والواو الاعتراضية راجعة إلى الواو العاطفة إلاّ أنها عاطفة مجموع كلام على مجموع كلام آخر لا على بعض الكلام المعطوف عليه‏.‏

والمعنى‏:‏ ومثل ذلك الجزاء نجزي من أسرف، أي كفر ولم يؤمن بآيات ربّه‏.‏

فالإسراف‏:‏ الاعتقاد الضال وعدم الإيمان بالآيات ومكابرتها وتكذيبهما‏.‏

والمشار إليه بقوله ‏{‏وكذلك‏}‏ هو مضمون قوله ‏{‏فإن له معيشة ضنكاً‏}‏، أي وكذلك نجزي في الدنيا الذين أسرفوا ولم يؤمنوا بالآيات‏.‏

وأعقبه بقوله ‏{‏ولعذاب الآخرة أشد وأبقى‏}‏، وهذا يجوز أن يكون تذييلاً للقصة وليس من حكاية خطاب الله للذي حشره يوم القيامة أعمى‏.‏ فالمراد بعذاب الآخرة مقابل عذاب الدنيا المفاد من قوله ‏{‏فإن له معيشة ضنكاً‏}‏ الآية، والواو اعتراضية‏.‏ ويجوز أن تكون الجملة من حكاية خطاب الله للذي يحشره أعمى، فالمراد بعذاب الآخرة العذاب الذي وقع فيه المخاطب، أي أشد من عذاب الدنيا وأبقى منه لأنّه أطول مدة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏128‏]‏

‏{‏أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى ‏(‏128‏)‏‏}‏

تفريع على الوعيد المتقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 127‏]‏‏.‏ جعل الاستفهام الإنكاري التعجيبي مفرعاً على الإخبار بالجزاء بالمعيشة الضنك لمن أعرض عن توحيد الله لأنه سبب عليه لا محالة، تعجيباً من حال غفلة المخاطبين المشركين عما حلّ بالأمم المماثلة لهم في الإشراك والإعراض عن كتب الله وآيات الرسل‏.‏

فضمائر جمع الغائبين عائدة إلى معروف من مقام التعريض بالتحذير والإنذار بقرينة قوله ‏{‏يمشون في مساكنهم‏}‏، فإنه لا يصلح إلا أن يكون حالاً لقوم أحياء يومئذ‏.‏

والهداية هنا مستعارة للإرشاد إلى الأمور العقلية بتنزيل العقلي منزلة الحسيّ، فيؤول معناها إلى معنى التبيين، ولذلك عُدي فعلها باللاّم، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها‏}‏ في سورة الأعراف ‏(‏100‏)‏‏.‏

وجملة كم أهلكنا قبلهم من القرون‏}‏ معلّقة فعل ‏{‏يهدِ عن العمل في المفعول لوجود اسم الاستفهام بعدها، أي ألم يرشدهم إلى جواب كم أهلكنا قبلهم‏}‏ أي كثرة إهلاكنا القرون‏.‏ وفاعل ‏{‏يهد ضمير دل عليه السياق وهو ضمير الجلالة، والمعنى‏:‏ أفلم يهد الله لهم جواب كم أهلكنا‏}‏‏.‏ ويجوز أن يكون الفاعل مضمون جملة ‏{‏كم أهلكنا‏}‏‏.‏ والمعنى‏:‏ أفلم يُبيّن لهم هذا السؤال، على أن مفعول ‏{‏يهدِ محذوف تنزيلاً للفعل منزلة اللازم، أي يحصل لهم التبيين‏.‏

وجملة يمشون في مساكنهم‏}‏ حال من الضمير المجرور باللاّم، لأنّ عدم التبيين في تلك الحالة أشد غرابة وأحرى بالتعجيب‏.‏

والمراد بالقرون‏:‏ عاد وثمود‏.‏ فقد كان العرب يمرون بمساكن عاد في رحلاتهم إلى اليمن ونجران وما جاورها، وبمساكن ثمود في رحلاتهم إلى الشام‏.‏ وقد مرّ النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون بديار ثمود في مسيرهم إلى تبوك‏.‏

وجملة ‏{‏إن في ذلك لآيات لأولي النهى‏}‏ في موضع التعليل للإنكار والتعجيب من حال غفلتهم عن هلاك تلك القرون‏.‏ فحرف التأكيد للاهتمام بالخبر وللإيذان بالتعليل‏.‏

والنُهى بضم النُون والقصر جمع نُهْيَة بضم النون وسكون الهاء‏:‏ اسم العقل‏.‏ وقد يستعمل النُهى مفرداً بمعنى العقل‏.‏ وفي هذا تعريض بالذين لم يهتدوا بتلك الآيات بأنهم عديمو العقول، كقوله ‏{‏إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 44‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏129- 130‏]‏

‏{‏وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى ‏(‏129‏)‏ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ‏(‏130‏)‏‏}‏

جملة ‏{‏ولوْلاَ كلِمَةٌ‏}‏ عطف على جملة ‏{‏أفلم يهد لهم‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 128‏]‏ باعتبار ما فيها من التحذير والتهديد والعبرة بالقرون الماضية، وبأنهم جديرون بأن يحل بهم مثل ما حل بأولئك‏.‏ فلما كانوا قد غرّتهم أنفسهم بتكذيب الوعيد لِما رأوا من تأخر نزول العذاب بهم فكانوا يقولون ‏{‏متى هذا الوعد إن كنتم صادقين‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 29‏]‏ عقب وعيدهم بالتنبيه على ما يزيل غرورهم بأن سبب التأخير كلمةٌ سبقت من الله بذلك لحِكَم يعلمها‏.‏ وهذا في معنى قوله ‏{‏ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 29، 30‏]‏‏.‏

والكلمة‏:‏ مستعملة هنا فيما شأنه أن تدل عليه الكلمات اللفظية من المعاني، وهو المسمى عند الأشاعرة بالكلام النفسي الراجع إلى علم الله تعالى بما سيبرزه للناس من أمر التكوين أو أمرِ التشريع، أو الوعظ‏.‏ وتقدّم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم‏}‏ في سورة هود ‏(‏110‏)‏‏.‏

فالكلمة هنا مراد بها‏:‏ ما عَلمه الله من تأجيل حلول العذاب بهم، فالله تعالى بحكمته أنظر قريشاً فلم يعجل لهم العذاب لأنه أراد أن ينشر الإسلام بمن يؤمن منهم وبذريّاتهم‏.‏ وفي ذلك كرامة للنبيء محمد بتيسير أسباب بقاء شرعه وانتشاره لأنه الشريعة الخاتمة‏.‏ وخصّ الله منهم بعذاب السيف والأسر من كانوا أشداء في التكذيب والإعراض حكمة منه تعالى، كما قال‏:‏ ‏{‏وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 33 34‏]‏‏.‏

واللِزام بكسر اللام‏:‏ مصدر لاَزَم‏:‏ كالخصام، استعمل مصدراً لفعل لَزِم الثاني لقصد المبالغة في قوة المعنى كأنه حاصل من عدة ناس‏.‏ ويجوز أن يكون وزن فِعال بمعنى فاعل، مثل لزاز في قول لبيد‏:‏

منا لزاز كريهة جذّامها *** وسِداد في قول العَرَجي‏:‏

أضاعوني وأي فتى أضاعوا *** ليوم كريهة وسِدادِ ثَغْر

أي‏:‏ لكان الإهلاك الشديد لازماً لهم‏.‏

فانتصب لزاماً على أنه خبر ‏(‏كانَ‏)‏، واسمُها ضمير راجع إلى الإهلاك المستفاد من ‏{‏كم أهلكنا‏}‏ ‏(‏128‏)‏، أي لكان الإهلاك الذي أُهلك مثله مَن قبلهم من القرون، وهو الاستيصال، لازماً لهم‏.‏

‏{‏وأجل مسمى‏}‏ عطف على ‏{‏كلمة‏}‏ والتقدير‏:‏ ولولا كلمة وأجلٌ مسمّى يقع عنده الهلاك لكان إهلاكهم لزاماً‏.‏ والمراد بالأجل‏:‏ ما سيُكشف لهم من حلول العذاب‏:‏ إما في الدنيا بأن حل برجال منهم وهو عذاب البطشة الكبرى يومَ بدر؛ وإما في الآخرة وهو ما سيحل بمن ماتوا كفّاراً منهم‏.‏ وفي معناه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاماً‏}‏ ‏[‏الفرقان‏:‏ 77‏]‏‏.‏

ويظهر أنه شاع في عصر الصحابة تأويل اسم اللزام أنه عذاب توعد الله به مشركي قريش‏.‏ وقيل‏:‏ هو عذاب يوم بدر‏.‏ ففي «صحيح البخاري» عن ابن مسعود قال‏:‏ «خمس قد مضين‏:‏ الدخان، والقمرُ، والرّومُ، والبطشة، واللِزام ‏{‏فسوف يكون لزاماً‏.‏

يريد بذلك إبطال أن يكون اللِزام مترقباً في آخر الدنيا‏.‏ وليس في القرآن ما يحوج إلى تأويل اللِزام بهذا كما علمت‏.‏

وفرع على ذلك أمر رسول الله بالصبر على ما يقولون من التكذيب وبالوعيد لتأخير نزوله بهم‏.‏ والمعنى‏:‏ فلا تستعجل لهم العذاب واصبر على تكذيبهم ونحوه الشامل له الموصول في قوله ما يقولون‏}‏‏.‏

وأمره بأن يقبل على مزاولة تزكية نفسه وتزكية أهله بالصلاة، والإعراض عما متع الله الكفّار برفاهية العيش، ووعده بأن العاقبة للمتقين‏.‏

فالتسبيح هنا مستعمل في الصلاة لاشتمالها على تسبيح الله وتنزيهه‏.‏

والباء في قوله ‏{‏بحمد ربك‏}‏ للملابسة، وهي ملابسة الفاعل لفعله، أي سبّحْ حامداً ربّك، فموقع المجرور موقع الحال‏.‏

والأوقات المذكورة هي أوقات الصلوات، وهي وقت الصبح قبل طلوع الشمس، ووقتان قبل غروبها وهما الظهر والعصر، وقيل المراد صلاة العصر‏.‏ وأما الظهر فهي قوله‏:‏ ‏{‏وأطراف النهار‏}‏ كما سيأتي‏.‏

و ‏{‏منْ‏}‏ في قوله ‏{‏من آناء الليل‏}‏ ابتدائية متعلّقة بفعل ‏(‏فسبح‏)‏‏.‏ وذلك وقتا المغرب والعشاء‏.‏ وهذا كله من المجمل الذي بيّنته السنّة المتواترة‏.‏

وأدخلت الفاء على ‏{‏فسبح‏}‏ لأنه لما قدم عليه الجار والمجرور للاهتمام شابه تقديم أسماء الشرط المفيدة معنى الزمان، فعومل الفعل معاملة جواب الشرط كقوله صلى الله عليه وسلم «ففيهما فجاهد»، أي الأبوين، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن الليل فتهجد به نافلة لك‏}‏ وقد تقدم في سورة الإسراء ‏(‏79‏)‏‏.‏

ووجه الاهتمام بآناء الليل أن الليل وقت تميل فيه النفوس إلى الدعة فيخشى أن تتساهل في أداء الصلاة فيه‏.‏

وآناء الليل‏:‏ ساعاته‏.‏ وهو جمع إنْي بكسر الهمزة وسكون النون وياء في آخره‏.‏ ويقال‏:‏ إنو بواو في آخره‏.‏ ويقال‏:‏ إنىً بألف في آخره مقصوراً ويقال‏:‏ أناء بفتح الهمزة في أوله وبمد في آخره وجَمْع ذلك على آناء بوزن أفْعال‏.‏

وقوله وأطراف النهار‏}‏ بالنصب عطف على قوله ‏{‏قبل طلوع الشمس‏}‏، وطرف الشيء منتهاه‏.‏ قيل‏:‏ المراد أول النهار وآخره، وهما وقتا الصبح والمغرب، فيكون من عطف البعض على الكل للاهتمام بالبعض، كقوله ‏{‏حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 238‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ المراد طرف سير الشمس في قوس الأفق، وهو بلوغ سيرها وسْط الأفق المعبر عنه بالزوال، وهما طرفان طرفُ النهاية وطرف الزوال، وهو انتهاء النصف الأول وابتداء النصف الثاني من القوس، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأقم الصلاة طرفي النهار‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 114‏]‏‏.‏ وعلى هذا التفسير يتجه أن يكون ذكر الطرفين معاً لوقت صلاة واحدة أن وقتها ما بين الخروج من أحد الطرفين والدخول في الطرف الآخر وتلك حصة دقيقة‏.‏

وعلى التفسيرين فللنهار طرفان لا أطراف، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وأقم الصلاة طرفي النهار فالجمع في قوله وأطراف النهار‏}‏ من إطلاق اسم الجمع على المثنى، وهو متسع فيه في العربية عند أمن اللبس، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فقد صغت قلوبكما‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 4‏]‏‏.‏

والذي حسّنه هنا مشاكلة الجمع للجمع في قوله ‏{‏ومن آناء الليل فسبح‏}‏‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏لعلّك تَرضى بفتح التاء بصيغة البناء للفاعل، أي رجاءً لك أن تنال من الثواب عند الله ما ترضَى به نفسُك‏.‏

ويجوز أن يكون المعنى‏:‏ لعل في ذلك المقدار الواجب من الصلوات ما ترضى به نفسك دون زيادة في الواجب رفقاً بك وبأمتك‏.‏ ويبيّنه قوله‏:‏ وجعلت قرّة عيني في الصلاة‏.‏

وقرأ الكسائي، وأبو بكر عن عاصم تُرضى بضم التاء أي يرضيك ربّك، وهو محتمل للمعنيين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏131‏]‏

‏{‏وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ‏(‏131‏)‏‏}‏

أُعقب أمره بالصبر على ما يقولونه بنهيه عن الإعجاب بما يَنْعَم به من تَنعّم من المشركين بأموال وبنين في حين كفرهم بالله بأن ذلك لحِكَم يعلمها الله تعالى، منها إقامة الحجّة عليهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون‏}‏ المؤمنون‏:‏ 55، 56‏)‏‏.‏

وذكر الأزواج هنا لدلالته على العَائلات والبيوت، أي إلى ما متعناهم وأزواجَهم به من المتع؛ فكلّ زوج ممتّع بمتعة في زوجه مما يحسن في نظر كل من محاسن قرينه وما يقارن ذلك من محاسن مشتركة بين الزوجين كالبنين والرياش والمنازل والخدم‏.‏

ومدّ العينين‏:‏ مستعمل في إطالة النظر للتعجيب لا للإعجاب، شبه ذلك بمد اليد لتناول شيء مشتهى‏.‏ وقد تقدم نظيره في آخر سورة الحِجْر‏.‏

والزَهرة بفتح الزاي وسكون الهاء‏:‏ واحدة الزهْر، وهو نَوْر الشجر والنباتتِ‏.‏ وتستعار للزينة المعجِبة المبهتة، لأن منظر الزّهرة يزين النبات ويُعجب الناظر، فزهرة الحياة‏:‏ زينة الحياة، أي زينة أمور الحياة من اللّباس والأنعام والجنان والنساء والبنين، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمتاع الحياة الدنيا وزينتها‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 60‏]‏‏.‏

وانتصب ‏{‏زهرة الحياة الدنيا‏}‏ على الحال من اسم الموصول في قوله ‏{‏ما متعنا به أزواجاً منهم‏.‏ وقرأ الجمهور زهْرة بسكون الهاء‏.‏ وقرأه يعقوب بفتح الهاء وهي لغة‏.‏

لنفتنهم‏}‏ متعلق ب ‏{‏متعنا‏}‏‏.‏ و‏(‏في‏)‏ للظرفية المجازية، أي ليحصل فتنتهم في خلاله، ففي كلّ صنف من ذلك المتاع فتنة مناسبة له‏.‏ واللاّم للعلّة المجازية التي هي عاقبة الشيء، مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 68‏]‏‏.‏

وإنما متّعهم الله بزهرة الدنيا لأسباب كثيرة متسلسلة عن نُظُم الاجتماع فكانت لهم فتنة في دينهم، فجُعل الحاصلُ بمنزلة الباعث‏.‏

والفتنة‏:‏ اضطراب النفس وتبلبل البال من خوف أو توقع أو التواء الأمور، وكانوا لا يخلُون من ذلك، فَلشركهم يقذف الله في قلوبهم الغم والتوقع، وفتنتُهم في الآخرة ظاهرة‏.‏ فالظرفية هنا كالتي في قول سبَرة بن عَمرو الفَقْعسي‏:‏

نُحابي بها أكفَاءَنا ونُهينها *** ونشرب في أثمانها ونقامر

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وارزقوهم فيها واكسوهم‏}‏ في سورة النساء ‏(‏5‏)‏‏.‏

وجملة ورزق ربك خير وأبقى‏}‏ تذييل، لأن قوله ‏{‏ولا تمدن عينيك‏}‏ إلى آخره يفيد أن ما يبدو للناظر من حسن شارتهم مشوب ومبطّن بفتنة في النفس وشقاء في العيش وعقاب عليه في الآخرة، فذيل بأن الرزق الميسّر من الله للمؤمنين خير من ذلك وأبقى في الدنيا ومنفعته باقية في الآخرة لما يقارنه في الدنيا من الشكر‏.‏

فإضافة ‏{‏رزق ربك‏}‏ إضافة تشريف، وإلا فإن الرزق كلّه من الله، ولكن رزق الكافرين لما خالطه وحف به حال أصحابه من غضب الله عليهم، ولما فيه من التبعة على أصحابه في الدنيا والآخرة لكفرانهم النعمة جعل كالمنكور انتسابه إلى الله، وجعل رزق الله هو السالم من ملابسة الكفران ومن تبعات ذلك‏.‏

و ‏{‏خير‏}‏ تفضيل، والخيرية حقيقة اعتبارية تختلف باختلاف نواحيها‏.‏ فمنها‏:‏ خير لصاحبه في العاجل شرّ عليه في الآجل، ومنها خير مشوب بشرور وفتن، وخير صَاف من ذلك، ومنها ملائم ملاءَمَةً قوية، وخير ملائم ملاءمة ضعيفة، فالتفضيل باعتبار توفر السلامة من العواقب السيّئة والفتن كالمقرون بالقناعة، فتفضيل الخيرية جاء مجملاً يظهر بالتدبر‏.‏

‏{‏وأبقى‏}‏ تفضيل على ما مُتّع به الكافرون لأنّ في رزق الكافرين بقاءً، وهو أيضاً يظهر بقاؤه بالتدبّر فيما يحف به وعواقبه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏132‏]‏

‏{‏وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ‏(‏132‏)‏‏}‏

ذِكر الأهل هنا مقابل لذِكر الأزواج في قوله ‏{‏إلى ما متعنا به أزواجاً منهم‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 131‏]‏ فإن من أهل الرجل أزواجَه، أي مِتْعَتُك ومتعةُ أهلك الصلاةُ فلا تلفتوا إلى زَخَارف الدنيا‏.‏ وأهل الرجل يكونون أمثل من ينتمون إليه‏.‏

ومن آثار العمل بهذه الآية في السنّة ما في «صحيح البخاري»‏:‏ أن فاطمة رضي الله عنها بلغها أن سبياً جيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتت تشتكي إليه ما تلقى من الرحى تسأله خادماً من السبي فلم تجده‏.‏ فأخبرت عائشةُ بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءَها النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخذت وعليّ مضجعَهما فجلس في جانب الفراش وقال لها ولِعَليّ‏:‏ ‏"‏ ألا أُخبِركُما بخير لكما مما سألتما تسبّحان وتحمدان وتكبران دُبر كلّ صلاة ثلاثاً وثلاثين فذلك خير لكما من خادم ‏"‏

وأمَر الله رسوله بما هو أعظم مما يأمر به أهله وهو أن يصْطبر على الصلاة‏.‏ والاصطبار‏:‏ الانحباس، مطاوع صبره، إذا حبسه، وهو مستعمل مجازاً في إكثاره من الصلاة في النوافل‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً‏}‏ ‏[‏المزمل‏:‏ 1‏]‏ الآيات، وقال ‏{‏ومن الليل فتهجد به نافلة لك‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 79‏]‏‏.‏

وجملة ‏{‏لا نسألك رزقاً‏}‏ معترضة بين التي قبلها وبين جملة ‏{‏نحن نرزقك‏}‏ جعلت تمهيداً لهاته الأخيرة‏.‏

والسؤال‏:‏ الطلب التكليفي، أي ما كلفناك إلاّ بالعبادة، لأنّ العبادة شكر لله على ما تفضل به على الخلق ولا يطلب الله منهم جزاءً آخر‏.‏ وهذا إبطال لما تعوده الناس من دفع الجبايات والخراج للملوك وقادة القبائل والجيوش‏.‏ وفي هذا المعنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما خلفت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 56 58‏]‏، فجملة ‏{‏نحن نرزقك‏}‏ مبيّنة لجملة ‏{‏ورزق ربك خير وأبقى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 131‏]‏‏.‏ والمعنى‏:‏ أنّ رزق ربّك خير وهو مسوق إليك‏.‏

والمقصود من هذا الخطاب ابتداءً هو النبي صلى الله عليه وسلم ويشمل أهلَه والمؤمنين لأنّ المعلّل به هذه الجملة مشترك في حكمه جميع المسلمين‏.‏

وجملة ‏{‏والعاقبة للتقوى‏}‏ عطف على جملة ‏{‏لا نسألك رزقاً‏}‏ المعلّل بها أمره بالاصطبار للصلاة، أي إنا سألناك التقوى والعاقبة‏.‏

وحقيقة العاقبة‏:‏ أنها كل ما يعقب أمراً ويقع في آخره من خير وشر، إلا أنها غلب استعمالها في أمور الخير‏.‏ فالمعنى‏:‏ أنّ التقوى تجيء في نهايتها عواقب خير‏.‏

واللام للملك تحقيقاً لإرادة الخير من العاقبة لأنّ شأن لام الملك أن تدل على نوال الأمر المرغوب، وإنما يطرد ذلك في عاقبة خير الآخرة‏.‏ وقد تكون العاقبة في خير الدنيا أيضاً للتقوى‏.‏

وهذه الجملة تذييل لما فيها من معنى العموم، أي لا تكون العاقبة إلا للتقوى‏.‏ فهذه الجملة أرسلت مجرى المثل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏133‏]‏

‏{‏وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى ‏(‏133‏)‏‏}‏

رجوع إلى التنويه بشأن القرآن، وبأنه أعظم المعجزات‏.‏ وهو الغرض الذي انتقل منه إلى أغراض مناسبة من قوله ‏{‏وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكراً‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 113‏]‏‏.‏

والمناسبة في الانتقال هو ما تضمنه قوله ‏{‏فاصبر على ما يقولون‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 130‏]‏ فجيء هنا بشِنَع من أقوالهم التي أمر الله رسوله بأن يصبر عليها في قوله ‏{‏فاصبر على ما يقولون‏.‏ فمن أقوالهم التي يقصدون منها التعنت والمكابرة أن قالوا‏:‏ لولا يأتينا بآية من عند ربّه فنؤمن برسالته، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فليأتنا بآية كما أرسل الأولون‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 5‏]‏‏.‏

ولولا حرف تحضيض‏.‏ وجملة ‏{‏أو لَمْ تأْتِهِم بيِّنَةُ ما في الصُّحففِ الأُولى‏}‏ في موضع الحال، والواو للحال، أي قالوا ذلك في حال أنّهم أتتهم بيّنة ما في الصحف الأولى‏.‏ فالاستفهام إنكاري، أنكر به نفي إتيان آية لهم الذي اقتضاه تحضيضهم على الإتيان بآية‏.‏

والبيّنة‏:‏ الحجة‏.‏

و ‏{‏الصحف الأولى‏:‏ كتب الأنبياء السابقين، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى‏}‏ ‏[‏الأعلى‏:‏ 18 19‏]‏‏.‏

والصحف‏:‏ جمع صحيفة‏.‏ وهي قطعة من ورَق أو كاغَدَ أو خرقة يكتب فيها‏.‏ ولما كان الكتاب مجموع صحف أطلق الصحف على الكتب‏.‏

ووجه اختيار ‏{‏الصحف هنا على الكُتب أن في كلّ صحيفة من الكتب علماً، وأن جميعه حَواه القرآن، فكان كلّ جزء من القرآن آية ودليلاً‏.‏

وهذه البيّنة هي محمد وكتابُه القرآن، لأنّ الرسول موعود به في الكتب السالفة، ولأنّ في القرآن تصديقاً لما في تلك الكتب من أخبار الأنبياء ومن المواعظ وأصول التشريع‏.‏ وقد جاء به رسول أميّ ليس من أهل الكتاب ولا نشأ في قوم أهل علم ومزاولة للتاريخ مع مجيئه بما هو أوضح من فلق الصبح من أخبارهم التي لم يستطع أهل الكتاب إنكارها، قال تعالى‏:‏ ‏{‏الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 146‏]‏، وكانوا لا يحققون كثيراً منها بما طرأ عليهم من التفرق وتلاشي أصول كتبهم وإعادة كتابة كثير منها بالمعنى على حسب تأويلات سقيمة‏.‏

وأما القرآن فما حواه من دلائل الصدق والرشاد، وما امتاز به عن سائر الكتب من البلاغة والفصاحة البالغتين حد الإعجاز، وهو ما قامت به الحجّة على العرب مباشرة وعلى غيرهم استدلالاً‏.‏ وهذا مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البيّنة رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة‏}‏ ‏[‏البينة‏:‏ 12‏]‏‏.‏

وقرأ نافع، وحفص، وابن جماز عن أبي جعفر ‏{‏تأتِهم بتاء المضارع للمؤنث‏.‏ وقرأه الباقون بتحتية المذكر لأنّ تأنيث بيّنة غير حقيقي، وأصل الإسناد التذكير لأنّ التذكير ليس علامة ولكنه الأصل في الكلام‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏134‏]‏

‏{‏وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ‏(‏134‏)‏‏}‏

الذي يظهر أن جملة ‏{‏ولو أنَّا أهلكناهم بعذاب من قبله‏}‏ معطوفة على جملة ‏{‏أو لم تأتهم بيّنة ما في الصحف الأولى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 133‏]‏، وأنّ المعنى على الارتقاء في الاستدلال عليهم بأنّهم ضالّون حين أخروا الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وجعلوه متوقفاً على أن يأتيهم بآية من ربّه، لأنّ ما هم متلبسون به من الإشراك بالله ضلال بيّن قد حَجَبتْ عن إدراك فساده العادَات واشتغال البال بشؤون دين الشرك، فالإشراك وحده كاف في استحقاقهم العذاب ولكن الله رحمهم فلم يؤاخذهم به إلاّ بعد أن أرسل إليهم رسولاً يوقظ عقولهم‏.‏ فمجيء الرسول بذلك كاف في استدلال العقول على فساد ما هم فيه، فكيف يسألون بعد ذلك إتيان الرسول لهم بآية على صدقه فيما دعاهم إليه من نبذ الشرك لو سُلّم لهم جدلاً أن ما جاءهم من البيّنة ليس هو بآية، فقد بطل عذرهم من أصله، وهو قولهم ‏{‏ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك‏}‏‏.‏ وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنّا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 156‏]‏‏.‏ فالضمير في قوله ‏{‏من قبله‏}‏ عائد إلى القرآن الذي الكلام عليه، أو على الرسول باعتبار وصفه بأنه بيّنة، أو على إتيان البيّنة المأخوذ من ‏{‏أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 133‏]‏‏.‏

وفي هذه الآية دليل على أنّ الإيمان بوحدانية خالق الخلق يقتضيه العقل لولا حجب الضلالات والهوى، وأن مجيء الرسل لإيقاظ العقول والفطر، وأن الله لا يؤاخذ أهل الفترة على الإشراك حتى يبعث إليهم رسولاً، وأنّ قريشاً كانوا أهل فترة قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم

ومعنى ‏{‏لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً‏}‏‏:‏ أنهم يقولون ذلك يوم الحساب بعد أن أهلكهم الله الإهلاك المفروض، لأنّ الإهلاك بعذاب الدنيا يقتضي أنهم معذبون في الآخرة‏.‏

و ‏(‏لولا‏)‏ حرف تحضيض، مستعمل في اللوم أو الاحتجاج لأنّه قد فات وقت الإرسال، فالتقدير‏:‏ هلاّ كنت أرسلت إلينا رسولاً وانتصب ‏{‏فنتبع‏}‏ على جواب التحضيض باعتبار تقدير حصوله فيما مضى‏.‏

والذل‏:‏ الهوان‏.‏ والخزي‏:‏ الافتضاح، أي الذل بالعذاب‏.‏ والخزي في حشرهم مع الجناة كما قال إبراهيم عليه السلام ‏{‏ولا تخزني يوم يبعثون‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 87‏]‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏135‏]‏

‏{‏قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى ‏(‏135‏)‏‏}‏

جواب عن قولهم ‏{‏لولا يأتينا بآية من ربه‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 133‏]‏ وما بينهما اعتراض‏.‏ والمعنى‏:‏ كل فريق متربص فأنتم تتربصون بالإيمان، أي تؤخرون الإيمان إلى أن تأتيكم آية من ربّي، ونحن نتربص أن يأتيكم عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة، وتفرع عليه جملة ‏{‏فتربصوا‏.‏ ومادة الفعل المأمور به مستعملة في الدوام بالقرينة، نحو ‏{‏يأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 136‏]‏، أي فداوموا على تربصكم‏.‏

وصيغة الأمر فيه مستعملة في الإنذار، ويسمى المتاركة، أي نترككم وتربصَكم لأنا مؤمنون بسوء مصيركم‏.‏ وفي معناه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون‏}‏ ‏[‏السجدة‏:‏ 30‏]‏‏.‏ وفي ما يقرب من هذا جاء قوله ‏{‏قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 52‏]‏‏.‏

وتنوين ‏{‏كلّ تنوين عوض عن المضاف إليه المفهوم من المقام، كقول الفضل بن عبّاس اللّهَبي‏:‏

كلّ له نِية في بُغض صاحبه *** بنعمة الله نقليكم وتقلونا

والتربص‏:‏ الانتظار‏.‏ تفعّل من الربْص، وهو انتظار حصول حدث من خير أو شرّ، وقد تقدّم في سورة براءة‏.‏

وفرع على المتاركة إعلامهم بأنهم يعلمون في المستقبل مَن مِن الفريقين أصحاب الصراط المستقيم ومن هم المهتدون‏.‏ وهذا تعريض بأن المؤمنين هم أصحاب الصراط المستقيم المهتدون، لأنّ مثل هذا الكلام لا يقوله في مقام المحاجّة والمتاركة إلا الموقن بأنه المحق‏.‏ وفِعل ‏(‏تعلمون‏)‏ معلق عن العمل لوجود الاستفهام‏.‏

والصراط‏:‏ الطريق‏.‏ وهو مستعار هنا للدّين والاعتقاد، كقوله ‏{‏اهدنا الصراط المستقيم‏}‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏ 6‏]‏‏.‏

والسوي‏:‏ فعيل بمعنى مفعول، أي الصراط المسَوّى، وهو مشتق من التسوية‏.‏

والمعنى‏:‏ يحتمل أنهم يعلمون ذلك في الدنيا عند انتشار الإسلام وانتصار المسلمين، فيكون الذين يعلمون ذلك مَن يبقى من الكفار المخاطبين حين نزول الآية سواء ممن لم يسلموا مثل أبي جهل، وصناديد المشركين الذين شاهدوا نصر الدين يوم بَدر، أو من أسلموا مثل أبي سفيان، وخالد بن الوليد‏.‏ ومن شاهدوا عزّة الإسلام‏.‏ ويحتمل أنهم يعلمون ذلك في الآخرة عِلم اليقين‏.‏

وقد جاءت خاتمة هذه السورة كأبلغ خواتم الكلام لإيذانها بانتهاء المحاجَة وانطواء بساط المقارعة‏.‏

ومن محاسنها‏:‏ أن فيها شبيه رد العجز على الصدر لأنّها تنظر إلى فاتحة السورة‏.‏ وهي قوله ‏{‏ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى‏}‏ ‏[‏طه‏:‏ 2‏]‏، لأن الخاتمة تدل على أنه قد بلّغ كل ما بعث به من الإرشاد والاستدلال، فإذا لم يهتدوا به فكفاه انثلاجَ صدره أنه أدى الرسالة والتذكرة فلم يكونوا من أهل الخشية فتركهم وضلالهم حتى يتبين لهم أنه الحق‏.‏